فصل: الباب الأول فيما لابد للمنفرد منه

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إحياء علوم الدين **


كتاب آداب الأكل

وهو الكتاب الأول من ربع العادات من كتاب إحياء العلوم الحمد لله الذي أحسن تدبير الكائنات فخلق الأرض والسموات‏.‏

وأنزل الماء الفرات من المعصرات فأخرج به الحب والنبات‏.‏

والصلاة على محمد ذي المعجزات الباهرات وعلى آله وأصحابه صلاة تتوالى على ممر الأوقات وتتضاعف بتعاقب الساعات وسلم تسليماً كثيراً‏.‏

أما بعد فإن مقصد ذوي الألباب لقاء الله تعالى في دار الثواب ولا طريق إلى الوصول للقاء الله إلا بالعلم والعمل ولا تمكن المواظبة عليها إلا بسلامة البدن ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات والتناول منها بقدر الحاجة على تكرار الأوقات فمن هذا الوجه قال بعض السلف الصالحين‏:‏ إن الأكل من الدين وعليه نبه رب العالمين بقوله وهو أصدق القائلين ‏"‏ كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ‏"‏ فمن يقدم على الأكل ليستعين به على العلم والعمل ويقوي به على التقوى فلا ينبغي أن يترك نفسه مهملاً سدى يسترسل في الأكل استرسال البهائم في المرعى فإن ما هو ذريعة إلى الدين ووسيلة إليه ينبغي أن تظهر أنوار الدين عليه‏.‏

وإنما أنوار الدين آدابه وسننه التي يزم العبد بزمامها ويلجم المتقي بلجامها حتى يتزن بميزان الشرع شهوة الطعام في إقدامها وإحجامها فيصير بسببها مدفعة للوزر ومجلبة للأجر وإن كان فيها أوفى حظ للنفس‏.‏

قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إن الرجل ليؤجر حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه وإلى في امرأته ‏"‏ وإنما ذلك إذا رفعها بالدين وللدين مراعياً فيه آدابه ووظائفه‏.‏

وها نحن نرشد إلى وظائف الدين في الأكل فرائضها وسننها وآدابها ومروءاتها وهيئاتها في أربعة أبواب وفصل في آخرها‏.‏

- الباب الأول - فيما لا بد للآكل من مراعاته وإن انفرد بالأكل - الباب الثاني - فيما يزيد من الآداب بسبب الاجتماع على الأكل - الباب الثالث - فيما يخص تقديم

الطعام إلى الإخوان الزائرين - الباب الرابع - فيما يخص الدعوة والضيافة وأشباهها‏.‏

الباب الأول فيما لابد للمنفرد منه

وهو ثلاثة أقسام‏:‏ قسم قبل الأكل وقسم مع الأكل وقسم بعد الفراغ منه‏:‏

القسم الأول في الآداب التي تتقدم على الأكل

وهي سبعة‏:‏ الأول‏:‏ أن يكون الطعام بعد كونه حلالاً في نفسه طيباً في جهة مكسبه موافقاً للسنة والورع لم يكتسب بسبب مكروه في الشرع ولا بحكم هوى ومداهنة في دين - على ما سيأتي في معنى الطيب المطلق في كتاب الحلال والحرام - وقد أمر الله تعالى بأكل الطيب وهو الحلال وقدم النهي عن الأكل بالباطل على القتل تفخيماً لأمر الحرام وتعظيماً لبركة الحلال فقال تعالى ‏"‏ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ‏"‏ إلى قوله ‏"‏ ولا تقتلوا أنفسكم ‏"‏ الآية فالأصل في الطعام كونه طيباً وهو من الفرائض وأصول الدين‏.‏

الثاني‏:‏ غسل اليد قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي

اللمم ‏"‏ وفي رواية ‏"‏ ينفي الفقر قبل الطعام وبعده ‏"‏ ولأن لا تخلو عن لوث في تعاطي الأعمال فغسلها أقرب إلى النظافة والنزاهة‏.‏

ولأن الأكل لقصد الاستعانة على الدين عبادة فهو جدير بأن يقدم عليه ما يجري منه مجرى الطهارة من الصلاة‏.‏

الثالث‏:‏ أن يوضع الطعام على السفرة الموضوعة على الأرض فهو أقرب إلى فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من رفعه على المائدة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بطعام وضعه على الأرض فهذا أقرب إلى التواضع فإن لم يكن فعلى السفرة فإنها تذكر السفر ويتذكر من السفر سفر الآخرة وحاجته إلى زاد التقوى‏.‏

وقال أنس بن مالك رحمه الله ‏"‏ ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان ولا في سكرجة ‏"‏ قيل فعلى ماذا كنتم تأكلون قال على السفرة‏.‏

وقيل‏:‏ أربع أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الموائد والمناخل والأشنان والشبع واعلم أن وإن قلنا الأكل على السفرة أولى فلسنا نقول الأكل على المائدة منهي عنه كراهة أو تحريم إذا لم يثبت فيه نهي‏.‏

وما يقال إنه أبدع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس كل ما أبدع منهياً بل المنهي بدعة تضاد سنة ثابتة وترفع أمراً من الشرع مع بقاء علته بل الإبداع قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب وليس في المائدة إلا رفع الطعام عن الأرض لتيسير الأكل وأمثال ذلك مما لا كراهة فيه‏.‏

والأربع التي جمعت في أنها مبدعة ليست متساوية بل الأشنان حسن لما فيه من النظافة فإن الغسل مستحب للنظافة والأشنان أتم في التنظيف وكانوا لا يستعملونه لأنه ربما كان لا يعتاد عندهم أو لا يتيسر أو كانوا مشغولين بأمور أهم من المبالغة في النظافة فقد كانوا لا يغسلون اليد أيضاً وكانت مناديلهم أخمص أقدامهم وذلك لا يمنع كون الغسل مستحباً‏.‏

وأما المنخل فالمقصود منه تطييب الطعام وذلك مباح ما لم ينتهي إلى التنعم المفرط‏.‏

وأما المائدة فتيسير للأكل وهو أيضاً مباح ما لم ينتهي إلى الكبر والتعاظم‏.‏

وأما الشبع فهو أشد هذه الأربعة فإنه يدعو إلى تهييج الشهوات وتحريك الأدواء في البدن فلتدرك التفرقة بين هذه المبدعات‏.‏

الرابع‏:‏ أن يحسن الجلسة على السفرة في أول جلوسه ويستديمها كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما جثا للأكل على ركبتيه وجلس على ظهر قدميه وربما نصب رجله اليمنى وجلس على اليسرى وكان يقول ‏"‏ لا آكل متكئاً إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد ‏"‏ والشرب متكئاً مكروه للمعدة أيضاً ويكره الأكل نائماً ومتكئاً إلا ما يتنقل به من الحبوب‏.‏

روى عن علي كرم الله وجهه أنه أكل كعكعاً على ترس وهو مضطجع ويقال منبطح على بطنه والعرب قد تفعله‏.‏

الخامس‏:‏ أن ينوي بأكله أن يتقوى به على طاعة الله تعالى ليكون مطيعاً بأكل ولا يقصد التلذذ والتنعم بالأكل‏.‏

قال إبراهيم بن شيبان‏:‏ منذ ثمانين سنة ما أكلت شيئاً لشهوتي‏.‏

ويعزم مع ذلك على تقليل الأكل فإنه إذا أكل لأجل قوة العبادة لم تصدق نيته إلا بأكل مادون الشبع فإن الشبع يمنع من العبادة ولا يقوى عليها فمن ضرورة هذه النية كسر الشهوة وإيثار القناعة على الإتساع‏.‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن لم يفعل فثلث طعام وثلث شراب وثلث للنفس ‏"‏ ومن ضرورة هذه النية أن لا يمد اليد إلى الطعام إلا وهو جائع فيكون الجوع أحد ما لابد من تقديمه على الأكل‏.‏

ثم ينبغي أن يرفع اليد قبل الشبع ومن فعل ذلك استغنى عن الطبيب وسيأتي فائدة قلة الأكل وكيفية التدريج في التقليل منه في كتاب كسر شهوة الطعام من ربع المهلكات‏.‏

السادس‏:‏ أن يرضى بالموجود من الرزق والحاضر من الطعام ولا يجتهد في التنعم وطلب الزيادة وانتظار الأدم بل من كرامة الخبز أن لا ينتظر به الأدم وقد ورد الأمر بإكرام الخبز فكل ما يديم الرمق ويقوي على العبادة فهو خير كثير لا ينبغي أن يستحقر بل لا ينتظر بالخبز الصلاة إن حضر وقتها إذا كان في الوقت متسع‏.‏

قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إذا حضر العشاء والعشاء فابدؤوا بالعشاء ‏"‏ وكان ابن عمر رضي الله عنهما ربما سمع قراءة الإمام ولا يقوم من عشائه‏.‏

ومهما كانت النفس لا تتوق إلى الطعام ولم يكن في تأخير الطعام ضرر فالأولى تقديم الصلاة‏.‏

فأما إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة وكان في التأخير ما يبرد الطعام أو يشوش أمره فتقديمه أحب عند اتساع الوقت تاقت النفس أو لم تتق لعموم الخير ولأن القلب لا يخلو عن الإلتفات إلى الطعام الموضوع وإن لم يكن الجوع غالباً‏.‏

السابع‏:‏ أن يجتهد في تكثير الأيدي على الطعام ولو من أهله وولده‏.‏

قال صلى الله عليه وسلم

‏"‏ اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه ‏"‏ وقال أنس رضي الله عنه ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكل وحده وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ خير الطعام ما كثرت عليه الأيدي ‏"‏‏.‏

القسم الثاني في آداب حالة الأكل

وهو أن يبدأ ب ‏"‏ بسم الله ‏"‏ في أوله وب ‏"‏ الحمد لله ‏"‏ في أخره‏.‏

ولو قال مع كل لقمة ‏"‏ بسم الله ‏"‏ فهو حسن حتى لا يشغله الشره عن ذكر الله تعالى‏.‏

ويقول مع القمة الأولى ‏"‏ بسم الله الرحمن الرحيم ‏"‏ ومع الثالثة ‏"‏ بسم الله الرحمن الرحيم ‏"‏ ويجهر به ليذكر غيره‏.‏

ويأكل باليمنى ويبدأ بالملح ويختم به ويصغر اللقمة ويجود مضغها وما لم يبتلعها لم يمد اليد إلى الأخرى فإن ذلك عجلة في الأكل وأن لا يذم مأكولاً ‏"‏ كان صلى الله عليه وسلم لا يعيب مأكولاً كان إذا أعجبه أكله وإلا يتركه ‏"‏ وأن يأكل مما يليه إلا الفاكهة فإن له أن يجيل يده فيها قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ كل مما يليك ‏"‏ ثم كان صلى الله عليه وسلم يدور على الفاكهة فقيل له في ذلك فقال ‏"‏ ليس هو نوعاً واحداً ‏"‏ وأن لا يأكل من دورة القصعة ولا من وسط الطعام بل يأكل من استدارة الرغيف إلا إذا قل الخبز فيكسر الخبز ولا يقطع بالسكين ولا يقطع اللحم أيضاً فقد نهى عنه وقال ‏"‏ انهشوه نهشاً ‏"‏ ولا يضع على الخبز ولا غيرها إلا ما يأكل به قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أكرموا الخبز فإن الله تعالى أنزله من بركات السماء ‏"‏ وال يمسح يده بالخبز‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها وليمط ما كان بها من أذى ولا يدعها للشيطان ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة ‏"‏ ولا ينفخ في الطعام الحار فهو منهي عنه بل يصبر إلى إن يسهل أكله ويأكل من التمر وتراً سبعاً أو إحدى عشرة أو إحدى وعشرين أو ما اتفق ولا يجمع بين التمر والنوى في طبق ولا يجمع في كفه بل يضع النواة من فيه على ظهر كفه ثم يلقيها وكذا كل ما له عجم وثفل‏.‏

وأن لا يكثر الشرب في أثناء الطعام إلا إذا غص بلقمة أو صدق عطشه فقد قيل إن ذلك مستحب في الطب وإنه دباغ المعدة‏.‏

وأما الشرب فأدبه أن يأخذ الكوز بيمينه ويقول ‏"‏ بسم الله ‏"‏ ويشربه مصاً لا عباً قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ مصوا الماء مصاً ولا تعبوه عباً فإن الكباد من العب ‏"‏ ولا يشرب قائماً ولا مضطجعاً فإنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب قائماً وروي أنه صلى الله عليه وسلم شرب قائما ولعله لعذر‏.‏

ويراعي أسفل الكوز حتى لا يقطر عليه وينظر في الكوز قبل الشرب

ولا يتجشأ ولا يتنفس في الكوز بل ينحيه عن فمه بالحمد ويرده بالتسمية‏.‏

وقد قال صلى الله عليه وسلم بعد الشرب ‏"‏ الحمد لله الذي جعله عذباً فراتاً برحمته ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا ‏"‏ والكوز وكل ما يدار على القوم يدار يمنة وقد شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لبناً وأبو بكر رضي الله عنه على يمينه شماله وأعرابي عن يمينه وعمر ناحيته فقال عمر رضي الله عنه ‏"‏ أعط أبا بكر فناول الأعرابي وقال الأيمن فالأيمن ويشب في ثلاثة أنفاس يحمد الله في أواخرها ويسمي الله في أوائلها ويقول في آخر النفس الأول ‏"‏ الحمد لله ‏"‏ وفي الثاني يزيد ‏"‏ رب العالمين ‏"‏ وفي الثالث يزيد ‏"‏ الرحمن الرحيم ‏"‏ فهذا قريب من عشرين أدباً في حالة الأكل والشرب دلت عليه الأخبار والآثار‏.‏

القسم الثالث ما يستحب بعد الطعام

وهو أن يمسك قبل الشبع ويلعق أصابعه ثم يمسح بالمنديل ثم يغسلها ويلتقط فتات الطعام قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من أكل ما يسقط من المائدة عاش في سعة وعوفي في ولده ‏"‏ ويخلل ولا يبتلع كل ما يخرج من بين أسنانه بالخلال إلا ما يجمع من أصول أسنانه بلسانه أما المخرج بالخلال فيرميه وليتمضمض بعد الخلال ففيه أثر عن أهل البيت عليهم السلام‏.‏

وأن يلعق القصعة ويشرب ماءها‏.‏

ويقال‏:‏ من لعق القصعة وغسلها وشرب ماءها كان له عتق رقبة‏.‏

وأن التقاط الفتات مهور الحور العين وأن يشكر الله تعالى بقلبه على ما أطعمه فيرى الطعام نعمة منه قال الله تعالى ‏"‏ كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله ‏"‏ ومهما أكل حلالاً قال‏:‏ ‏"‏ الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتنزل البركات اللهم أطعمنا طيباً واستعملنا صالحاً ‏"‏‏.‏

وإن أكل شبهة فليقل‏:‏ ‏"‏ الحمد لله على كل حال اللهم لا تجعله قوة لنا على معصيتك ويقرأ بعد الطعام قل هو الله أحد ولإيلاف قريش‏.‏

ولا يقوم عن المائدة حتى ترفع أولاً فإن أكل طعام الغير فليدع له وليقل‏:‏ اللهم أكثر خيره وبارك له فيما رزقته ويسر له أن يفعل فيه خيراً وقنعه بما أعطيته واجعلنا وإياه من الشاكرين‏.‏

وإن أفطر عند قوم فليقل‏:‏ أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة‏.‏

وليكثر الإستغفار والحزن على ما أكل من شبهة ليطفئ بدموعه وحزنه حر النار التي تعرض لها لقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به ‏"‏ وليس من يأكل ويبكي كمن يأكل ويلهو‏.‏

ولقل إذا أكل لبناً‏:‏ اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وزدنا منه فإن أكل غيره قال‏:‏ ‏"‏ اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وارزقنا خيراً منه ‏"‏ فذلك الدعاء مما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم اللبن لعموم نفعه‏.‏

ويستحب عقب الطعام أن يقول‏:‏ ‏"‏ الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا سيدنا ومولانا كافي من كل شيء ولا يكفى منه شيء أطعمت من جوع وآمنت من خوف فلك الحمد آويت من يتم وهديت من ضلالة وأغنيت من عيلة فلك

الحمد حمداً كثيراً دائماً طيباً نافعاً مباركاً فيه كما أنت أهله ومستحقه اللهم أطعمنا طيباً فاستعملنا صالحاً واجعله عوناً لنا عن طاعتك ونعوذ بك أن نستعين به على معصيتك ‏"‏ وأما غسل اليدين بالأشنان فيكفيه أن يجعل الأشنان في كفه اليسرى ويغسل الأصابع الثلاث من اليمنى أول ويضرب أصابعه على الأشنان اليابس فيمسح به شفتيه ثم ينعم غسل الفم بإصبعه ويدلك ظاهر أسنانه وباطنها والحنك واللسان ثم يغسل أصابعه من ذلك بالماء ثم يدلك ببقية الأشنان اليابس أصابعه ظهراً وبطناً ويستغني بذلك عن إعادة الأشنان إلى الفم وإعادة غسله‏.‏

الباب الثاني فيما يزيد بسبب الاجتماع والمشاركة في الأكل

وهي سبعة‏:‏ الأول‏:‏ أن لا يبتدئ بالطعام ومعه من يستحق التقديم بكبر سن أو زيادة فضل إلا أن يكون هو المتبوع والمقتدى به فحينئذ ينبغي أن لا يطول عليهم الانتظار إذا اشرأبوا للأكل واجتمعوا له الثاني‏:‏ أن لا يسكتوا على الطعام فإن ذلك من سيرة العجم ولكن يتكلمون بالمعروف ويتحدثون بحكايات الصالحين في الأطعمة وغيرها‏.‏

الثالث‏:‏ أن يرفق برفيقه بالقصعة فلا يقصد أن يأكل زيادة على ما يأكله فإن ذلك حرام إن لم موافقاً لرضا رفيقه مهما كان الطعام مشتركا‏.‏

بل ينبغي أن يقصد الإيثار ولا يأكل تمرتين في دفعة إلا إذا فعلوا ذلك أو استأذنهم‏.‏

فإن قلل رفيقه نشطه ورغبه في الأكل وقال له‏:‏ ‏"‏ كل ‏"‏ ولا يزيد في قوله ‏"‏ كل ‏"‏ على ثلاث مرات فإن ذلك إلحاح وإفراط‏.‏

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خوطب في شيء ثلاثاً لم يراجع بعد ثلاث وكان صلى الله عليه وسلم يكرر الكلام ثلاثاً فليس

من الأدب الزيادة عليه‏.‏

فأما الحلف عليه بالأكل فممنوع قال الحسن بن علي رضي الله عنهما‏:‏ الرابع‏:‏ أن لا يحوج رفيقه إلى أن يقول له‏:‏ كل‏.‏

قال بعض الأدباء‏:‏ أحسن الآكلين أكلاً من لا يحوج صاحبه إلى أن يتفقده في الأكل وحمل عن أخيه مؤنة القول‏.‏

ولا ينبغي أن يدع شيئاً مما يشتهيه لأجل نظر الغير إليه فإن ذلك تصنع بل يجري على المعتاد ولا ينقص من عادته شيئاً في الوحدة ولكن يعود نفسه حسن الأدب في الوحدة حتى لا يحتاج إلى التصنع عند الاجتماع‏.‏

نعم لو قلل من أكله إيثاراً لإخوانه ونظراً لهم عند الحاجة إلى ذلك فهو حسن وإن زاد في الأكل على نية المساعدة وتحريك نشاط القوم في الأكل فلا بأس به بل هو حسن‏.‏

وكان ابن المبارك يقدم فاخر الرطب إلى إخوانه ويقول‏:‏ من أكل أكثر أعطيته بكل نواة درهماً‏.‏

وكان يعد النوى ويعطي كل من له فضل نوى بعدده دراهم وذلك لدفع الحياء وزيادة النشاط في الإنبساط وقال جعفر بن محمد رضي الله عنهما‏:‏ أحب إخواني إلي أكثرهم أكلاً وأعظمهم لقمةً وأثقلهم على من يحوجني إلى تعهده في الأكل وكل هذا إشارة إلى الجري على المعتاد وترك التصنع‏.‏

وقال جعفر رحمه الله أيضاً‏:‏ تتبين جودة محبة الرجل لأخيه بجودة أكله في منزله‏.‏

الخامس‏:‏ أن غسل اليد في الطست لا بأس به وله أن يتنخم فيه إن أكل وحده وإن أكل مع غيره فلا ينبغي أن يفعل ذلك‏.‏

فإن قدم الطست إليه غيره إكراماً له فليقبله‏.‏

اجتمع أنس بن مالك وثابت البناني رضي الله عنهما على طعام فقدم أنس الطست إليه فامتنع ثابت فقال أنس ‏"‏ إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردها فإنما يكرم الله عز وجل ‏"‏‏.‏

وروي أن هارون الرشيد دعا أبا معاوية الضرير فصب الرشيد على يده في الطست فلما فرغ قال‏:‏ يا أبا معاوية تدري من صب على يديك فقال لا قال‏:‏ صبه أمير المؤمنين فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين إنما أكرمت العلم وأجللته فأجلك الله وأكرمك كما أجللت العلم وأهله‏.‏

ولا بأس أن يجتمعوا على غسل اليد في الطست في حالة واحدة فهو أقرب إلى التواضع وأبعد عن طول الإنتظار‏.‏

فإن لم يفعلوه فلا ينبغي أن يصب ماء كل واحد بل يجمع الماء في الطست قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أجمعوا وضوءكم جمع الله شملكم ‏"‏ قيل إن المراد هذا‏.‏

وكتب عمرو بن عبد العزيز إلى الأمصار ‏"‏ لا يرفع الطست من بين يدي قوم إلا مملوءة ولا تشبهوا بالعجم ‏"‏‏.‏

وقال ابن مسعود ‏"‏ اجتمعوا على غسل اليد في طست واحد ولا تستنوا بسنة الأعاجم ‏"‏‏.‏

والخادم الذي يصب الماء على اليد كره بعضهم أن يكون قائماً وأحب أن يكون جالساً لأنه أقرب إلى التواضع وكره بعضهم جلوسه فروي أنه صب الماء على يد واحد خادم جالساً فقام المصبوب عليه فقيل له‏:‏ لم قمت فقال‏:‏ أحدنا لابد وأن يكون قائماً‏.‏

وهذا أولى لأنه أيسر للصب والغسل وأقرب إلى تواضع الذي يصب وإذا كان له نية فيه فتمكينه من الخدمة ليس فيه تكبر فإن العادة جارية بذلك‏:‏ ففي الطست إذاً سبعة آداب‏:‏ أن لا يبزق فيه وأن يقدم المتبوع وأن يقبل الإكرام بالتقديم وأن يدار يمنة وأن يجتمع فيه جماعة وأن يجمع الماء فيه وأن يكون الخادم قائماً وأن يمج الماء من فيه ويرسل من يده برفق حتى لا يرش على الفراش وعلى أصحابه وليصب صاحب المنزل بنفسه الماء على يد ضيفه هكذا فعل مالك بالشافعي رضي الله عنهما في أول نزوله عليه وقال‏:‏ لا يروعك ما رأيت مني فخدمة الضيف فرض‏.‏

السادس‏:‏ أن لا ينظر إلى أصحابه ولا يراقب أكلهم فيستحيون بل يغضوا بصرهم عنهم ويشتغل بنفسه ولا يمسك قبل إخوانه إذا كانوا يحتشمون الأكل بعده بل يمد اليد ويقبضها ويتناول قليلاً قليلا إلى أن يستوفوا فإن كان قليل الأكل توقف في الابتداء وقلل الأكل حتى إذا توسعوا في الطعام أكل معهم أخيراً فقد فعل ذلك كثير من الصحابة رضي الله عنهم فإن امتنع لسبب فليعتذر إليهم دفعاً للخجلة عنهم‏.‏

السابع‏:‏ أن لا يفعل ما يستقذره غيره فلا ينفض يده في القصعة ولا يقدم إليها رأسه عند وضع في فيه وإن أخرج شيئاً من فيه صرف وجهه عن الطعام وأخذه بيساره ولا يغمس اللقمة في الخل ولا الخل في الدسومة فقد يكرهه غيره واللقمة التي قطعها بسنه ولا يغمس بقيتها في الرقة والخل ولا يتكلم بما يذكر المستقذرات‏.‏

الباب الثالث في آداب تقديم الطعام إلى الإخوان الزائرين

تقديم الطعام إلى الإخوان فيه فضل كثير‏.‏

قال جعفر بن محمد رضي الله عنهما‏:‏ إذا قعدتم مع الإخوان على المائدة فأطيلوا الجلوس فتقديم الطعام إلى الإخوان فيه فضل كثير‏.‏

قال جعفر بن محمد رضي الله عنهما‏:‏ ‏"‏ إذا قعدتم مع الإخوان على المائدة فأطيلوا الجلوس فإنها ساعة لا تحسب عليكم من أعماركم‏.‏

وقال الحسن رحمه الله‏:‏ كل نفقة ينفقها الرجل على نفسه وأبويه فمن دونهم يحاسب عليها البتة إلا نفقة الرجل على إخوانه في الطعام فإن الله يستحي أن يسأله عن ذلك‏.‏

هذا مع ما ورد من الأخبار في الإطعام قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم مادامت مائدته موضوعة بين يديه حتى ترفع ‏"‏ وروي عن بعض علماء خراسان‏:‏ أنه كان يقدم إلى إخوانه طعاماً كثيراً لا يقدرون على أكل جميعه وكان يقول بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏"‏ إن الإخوان إذا رفعوا أيديهم عن الطعام لم يحاسب من أكل فضل ذلك ‏"‏ فأنا أحب أن أستكثر مما أقدمه إليكم لنأكل فضل ذلك‏.‏

لا يحاسب العبد على ما يأكله مع إخوانه ‏"‏ وكان بعضهم يكثر الأكل مع الجماعة لذلك ويقلل إذا أكل وحده‏.‏

وفي الخبر ‏"‏ ثلاثة لا يحاسب عليها العبد‏:‏ أكلة السحور وما أفطر عليه وما أكل مع الإخوان ‏"‏ وقال علي رضي الله عنه ‏"‏ لأن أجمع إخواني على صاع من طعام أحب إلي من أن أعتق رقبة‏.‏

وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول‏:‏ من كرم المرء طيب زاده في سفره وبذله لأصحابه وكان الصحابة رضي الله عنهم يقولون‏:‏ الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق وكانوا رضي الله عنهم يجتمعون على قراءة القرآن ولا يتفرقون إلا عن ذواق‏.‏

وقيل اجتماع الإخوان على الكفاية مع الأنس والألفة ليس هو من الدنيا‏.‏

وفي الخبر يقول الله تعالى للعبد يوم القيامة ‏"‏ يا ابن آدم جعت فلم تطعمني فيقول كيف أطعمك وأنت رب العالمين فيقول‏:‏ جاع أخوك فلم تطعمه ولو أطعمته كنت أطعمتني ‏"‏ وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إذا جاءكم الزائر فأكرموه ‏"‏ وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها هي لمن ألان الكلام وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام ‏"‏ وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ خيركم من أطعم الطعام ‏"‏ وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من أطعم أخاه حتى يشبعه وسقاه حتى يرويه بعده الله من النار بسبع خنادق ما بين كل خندقين مسيرة خمس مائة عام ‏"‏‏.‏

وأما آدابه‏:‏ فبعضها في الدخول وبعضها في تقديم الطعام‏.‏

أما الدخول فليس من السنة أن يقصد قوماً متربصاً لوقت طعامهم فيدخل عليهم وقت الأكل فإن ذلك من المفاجأة وقد نهى عنه قال الله تعالى ‏"‏ لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ‏"‏ يعني منتظرين حينه ونضجه‏.‏

وفي الخبر‏:‏ من مشى إلى طعام لم يدع إليه مشى فاسقاً وأكل حراما ولكن حق الداخل إذا لم يتربص وأتفق أن صادفهم على طعام أن لا يأكل ما لم يؤذن له فإذا قيل له‏:‏ كل نظر فإن علم أنهم يقولونه على محبة لمساعدته فليساعد وإن كانوا يقولونه حياء منه فلا ينبغي أن يأكل بل ينبغي أن يتعلل أما إذا كان جائعاً فقصد بعض إخوانه ليطعمه ولم يتربص به وقت أكله فلا بأس به‏.‏

قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما منزل أبي الهيثم بن التيهان وأبي أيوب الأنصاري لأجل طعام يأكلونه وكانوا جياعاً والدخول على مثل هذه الحالة إعانة لذلك المسلم على حيازة ثواب الإطعام وهي عادة السلف وكان عون بن عبد الله المسعودي له ثلاثمائة وستون صديقاً يدور عليهم في السنة ولآخر ثلاثون يدور عليهم في الشهر ولآخر سبعة يدور عليهم في الجمعة فكان إخوانهم معلومهم بدلاً عن كسبهم وكان قيام أولئك بهم على قصد التبرك عبادة لهم فإن دخل ولم يجد صاحب الدار وكان واثقاً بصداقته عالماً بفرحه إذا أكل من طعامه فله أن يأكل بغير إذنه إذا المراد من الإذن الرضا لا سيما في الأطعمة وأمرها على السعة‏.‏

فرب رجل يصرح بالإذن ويحلف وهو غير راض فأكل طعامه مكروه‏.‏

ورب غائب لم يأذن وأكل طعامه محبوب‏.‏

وقد قال تعالى ‏"‏ أو صديقكم ‏"‏ ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار بريرة وأكل طعامها وهي غائبة وكان الطعام من الصدقة فقال ‏"‏ بلغت الصدقة محلها ‏"‏ وذلك لعلمه بسرورها بذلك‏.‏

لذلك يجوز أن يدخل الدار بغير استئذان اكتفاء بعلمه بالإذن فإن لم يعلم فلابد من الاستئذان أولاً ثم الدخول‏.‏

وكان محمد بن واسع وأصحابه يدخلون منزل الحسن فيأكلون ما يجدون بغير إذن‏.‏

وكان الحسن يدخل ويرى ذلك فيسر به ويقول‏:‏ هكذا كنا‏.‏

وروي عن الحسن رضي الله عنه أنه كان قائماً يأكل من متاع بقالٍ في السوق يأخذ من هذه الجونة تينةً ومن هذه قسبةً فقال له هشام‏:‏ ما بدا لك يا أبا سعيدٍ في الورع تأكل متاع رجلٍ بغير إذن فقال‏:‏ يا لكع اتل علي آية الأكل فتلا إلى قوله تعالى ‏"‏ أو صديقكم ‏"‏ فقال‏:‏ فمن الصديق يا أبا سعيدٍ قال‏:‏ من استروحت إليه النفس واطمأن إليه القلب

‏.‏

ومشى قوم إلى منزل سفيان الثوري فلم يجدوه ففتحوا الباب وأنزلوا السفرة وجعلوا يأكلون فدخل الثوري وجعل يقول‏:‏ ذكرتموني أخلاق السلف هكذا كانوا وزار قوم بعض التابعين ولم يكن عنده ما يقدمه إليهم فذهب إلى منزل بعض إخوانه فلم يصادفه في المنزل فدخل فنظر إلى قدر قد طبخها وإلى خبز قد خبزه وغير ذلك فحمله كله فقدمه إلى أصحابه وقال‏.‏

كلوا فجاء رب المنزل فلم ير شيئاً فقيل له قد أخذ فلان فقال‏:‏ قد أحسن فلما لقيه قال‏:‏ يا أخي إن عادوا فعد‏.‏

فهذه آداب الدخول‏.‏

وأما آداب التقديم‏:‏ فترك التكلف أولاً وتقديم ما حضر فإن لم يحضره شيء ولم يملك فلا يستقرض لأجل ذلك فيشوش على نفسه وإن حضره ما هو محتاج إليه لقوته ولم تسمح نفسه بالتقديم فلا ينبغي أن يقدم‏.‏

دخل بعضهم على زاهد وهو يأكل فقال‏:‏ لولا أني أخذته بدين لأطعمتك منه وقال بعض السلف في تفسير التكلف ‏"‏ أن تطعم أخاك مالا تأكله أنت بل تقصد زيادة عليه في الجودة والقيمة ‏"‏ وكان الفضيل يقول‏:‏ ‏"‏ إنما تقاطع الناس بالتكلف يدعو أحدهم أخاه فيتكلف له فيمنعه من الرجوع إليه وقال بعضهم ما أبالي بمن أتاني من إخواني فإني لا أتكلف له إنما أقرب ما عندي ولو تكلفت له لكرهت مجيئه ومللته‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ كنت أدخل على أخ لي فيتكلف لي فقلت له إنك لا تأكل وحدك هذا ولا أنا فما بالنا إذا اجتمعنا أكلناه فإما أن تقطع هذا التكلف أو أقطع المجيء فقطع التكلف ودام اجتماعنا بسببه ومن التكلف أن يقدم ما عنده فيجحف بعياله ويؤذي قلوبهم‏.‏

روي أن رجلاً دعا علياً رضي الله عنه فقال علي‏:‏ أجيبك على ثلاث شرائط لا تدخل من السوق شيئا ولا تدخر ما في البيت ولا تجحف بعيالك وكان بعضهم يقدم من كل ما في البيت فلا يترك نوعا إلا ويحضر شيئا وقال بعضهم‏:‏ دخلنا على جابر بن عبد الله فقدم إلينا خبزاً وخلاً وقال‏:‏ لولا أن نهينا عن التكلف لتكلفت لكم وقال بعضهم‏:‏ إذا قصدت للزيارة فقدم ما حضر وإن استزرت فلا تبق ولا تذر‏.‏

وقال سلمان أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نتكلف للضيف ما ليس عندنا وأن نقدم إليه ما حضرنا وفي حديث يونس النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه زاره إخوانه فقدم إليهم كسراً وجزلهم بقلاً كان يزرعه ثم قال لهم‏:‏ ‏"‏ كلوا لولا أن الله لعن المتكلفين لتكلفت لكم ‏"‏ وعن أنس بن مالك رضي الله عنه وغيره من الصحابة‏:‏ أنهم كانوا يقدمون ما حضر من الكسر اليابسة وحشف التمر ويقولون‏:‏ لا ندري أيهما أعظم وزراً الذي يحتقر ما يقدم إليه أو الذي يحتقر ما عنده أن يقدمه‏.‏

الأدب الثاني‏:‏ وهو للزائر أن لا يقترح ولا يتحكم بشيء بعينه فربما يشق على المزور إحضاره فإن خيره أخوه بين طعامين فليتخير أيسرهما عليه كذلك السنة ففي الخبر أنه ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين شيئين إلا اختار أيسرهما وروى الأعمش عن أبي وائلٍ أنه قال‏:‏ مضيت مع صاحبٍ لي نزور سلمان فقدم إلينا خبز شعيرٍ وملحاً جريشاً فقال صاحبي‏:‏ لو كان في هذا الملح سعتراً كان أطيب فخرج سلمان فرهن مطهرته وأخذ سعتراً فلما أكلنا قال صاحبي‏:‏ الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا فقال سلمان‏:‏ لو قنعت بما رزقت لم تكن مطهرتي مرهونة‏.‏

هذا إذا توهم تعذر ذلك على أخيه أو كراهته له فإن علم أنه يسر باقتراحه ويتيسر عليه ذلك فلا يكره له الاقتراح فعل الشافعي رضي الله عنه ذلك مع الزعفراني إذ كان نازلاً عنده ببغداد وكان الزعفراني يكتب كل يوم رقعة بما يطبخ من الألوان ويسلمها إلى الجارية فأخذ الشافعي الرقعة في بعض الأيام وألحق بها لوناً آخر بخطه فلما رأى الزعفراني ذلك اللون أنكر وقال‏:‏ ما أمرت بهذا فعرضت عليه الرقعة ملحقاً فيها خط الشافعي فلما وقعت عينه على خطه فرح بذلك وأعتق الجارية سروراً باقتراح الشافعي عليه‏.‏

وقال أبو بكر الكتاني‏:‏ دخلت على السري فجاء بفتيت وأخذ يجعل نصفه في القدح فقلت له‏:‏ أي شيءٍ تعمل وأنا أشربه كله في مرةٍ واحدةٍ فضحك وقال‏:‏ هذا أفضل لك من حجة‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ الأكل على ثلاثة أنواع مع الفقراء بالإيثار ومع الإخوان بالانبساط ومع أبناء الدنيا بالأدب‏.‏

الأدب الثالث‏:‏ أن يشهي المزور أخاه الزائر ويلتمس منه الاقتراح مهما كانت نفسه طيبة بفعل ما يقترح فذلك حسن وفيه أجر وفضلٌ جزيلٌ‏.‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من صادف من أخيه شهوة غفر له ومن سر أخاه المؤمن فقد سر الله تعالى ‏"‏ وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه جابر‏:‏ ‏"‏ من لذذ أخاه بما يشتهي كتب الله له ألف ألف حسنةٍ ومحى عنه ألف ألف سيئةٍ ورفع له ألف ألف درجةٍ وأطعمه الله من ثلاث جناتٍ جنة الفردوس وجنة عدنٍ وجنة الخلد ‏"‏‏.‏

الأدب الرابع‏:‏ أن لا يقول له‏:‏ هل أقدم لك طعاماً بل ينبغي أن يقدم كان‏.‏

قال الثوري‏:‏ إذا زارك أخوك فلا تقل له‏:‏ أتأكل أو أقدم إليك ولكن قدم فإن أكل وإلا فارفع‏.‏

وإن كان يريد أن يطعمهم طعاماً فلا ينبغي أن يظهرهم عليه أو يصفه لهم‏.‏

قال الثوري‏:‏ إذا أردت أن لا تطعم عيالك مما تأكله فلا تحدثهم به ولا يرونه معك‏.‏

وقال بعض الصوفية‏:‏ إذا دخل عليكم الفقراء فقدموا إليهم طعاماً وإذا دخل الفقهاء فسلوهم عن مسألةٍ فإذا دخل القراء فدلوهم على المحراب‏.‏

الباب الرابع في آداب الضيافة ومظان الآداب

فيها ستةٌ‏:‏ الدعوة أولاً ثم الإجابة ثم الحضور ثم تقديم الطعام ثم الأكل ثم الانصراف ولنقدم على شرحها إن شاء الله تعالى‏.‏

فضيلة الضيافة‏:‏ قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لا تكلفوا الضيف فتبغضوه فإنه من أبغض الضيف فقد أبغض الله ومن أبغض الله أبغضه الله ‏"‏ وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لا خير فيمن لا يضيف ‏"‏ ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل له إبل وبقر كثيرة فلم يضفه ومر بامرأة لها شويهات فذبحت له فقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ انظروا إليهما إنما هذه الأخلاق بيد الله فمن شاء أن يمنحه خلقاً حسناً فعل ‏"‏ وقال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه نزل به صلى الله عليه وسلم ضيف فقال‏.‏

‏"‏ قل لفلان اليهودي نزل بي ضيف فأسلفني شيئاً من الدقيق إلى رجب فقال اليهودي‏:‏ والله ما أسلفه إلا برهن فأخبرته فقال والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض ولو أسلفني لأديته فاذهب بدرعي وارهنه عنده ‏"‏ وكان إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه إذا أراد ان يأكل خرج ميلاً أو ميلين يلتمس من يتغدى عنده وكان يكنى أبا الضيفان ولصدق نيته فيه دامت ضيافته في مشهده إلى يومنا هذا فلا تنقضي ليلة إلا ويأكل عنده جماعة من بين ثلاثة إلى عشرة إلى مائة‏.‏

وقال قوام الموضع إنه لم يخل إلى الآن ليلة عن ضيف وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما الإيمان فقال‏:‏ ‏"‏ إطعام الطعام وبذل السلام ‏"‏ وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ في الكفارات والدرجات إطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام ‏"‏ وسئل عن الحج المبرور فقال ‏"‏ إطعام الطعام وطيب الكلام ‏"‏ وقال أنس رضي الله عنه‏:‏ كل بيت لا يدخله ضيف لا تدخله الملائكة‏.‏

والأخبار الواردة في فضل الضيافة والإطعام لا تحصى فلنذكر آدابها‏.‏

أما الدعوة‏:‏ فينبغي للداعي أن يعمد بدعوته الأتقياء دون الفساق قال صلى الله عليه وسلم

‏"‏ أكل طعامك الأبرار ‏"‏ في دعائه لبعض من دعا له وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلا تقي ‏"‏ ويقصد الفقراء دون الأغنياء على الخصوص‏.‏

قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء دون الفقراء ‏"‏ وينبغي أن لا يهمل أقاربه في ضيافته فإن إهمالهم إيجاش وقطع رحم وكذلك يراعى الترتيب في أصدقائه ومعارفه فإن في تخصيص البعض إيجاشاً لقلوب الباقين‏.‏

وينبغي أن لا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر بل استمالة قلوب الإخوان والتسنن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إطعام الطعام وإدخال السرور على قلوب المؤمنين‏.‏

وينبغي أن لا يدعو من يعلم أنه يشق عليه الإجابة وإذا حضر تأذى بالحاضرين بسبب من الأسباب‏.‏

وينبغي أن لا يدعو إلا من أحب إجابته قال سفيان‏:‏ من دعا أحداً إلى الطعام وهو يكره الإجابة فعليه خطيئة فإن أجاب المدعو فعليه خطيئتان‏.‏

لأنه حمله على الأكل مع كراهة ولو علم ذلك لما كان يأكله‏.‏

وإطعام التقي إعانة على الطاعة وإطعام الفاسق تقوية على الفسق‏.‏

قال رجل خياط لابن المبارك‏:‏ أنا أخيط ثياب السلاطين فهل تخاف أن أكون من أعوان الظلمة قال‏:‏ لا إنما أعوان الظلمة من يبيع منك الخيط والإبرة أما أنت فمن الظلمة نفسهم‏.‏

وأما الإجابة فهي سنة مؤكدة وقد قيل بوجوبها في بعض المواضع‏.‏

قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدي إلي ذراع لقبلت ‏"‏‏.‏

وللإجابة خمسة آداب‏:‏ الأول‏:‏ أن لا يميز الغني بالإجابة عن الفقير فذلك هو التكبر المنهي عنه ولأجل ذلك امتنع بعضهم عن أصل الإجابة وقال‏:‏ انتظار المرقة ذل وقال آخر‏:‏ إذا وضعت يدي في قصعة غيري فقد ذلت له رقبتي ومن المتكبرين من يجيب الأغنياء دون الفقراء وهو‏.‏

خلاف السنة‏.‏

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد ودعوة المسكين ‏"‏ ومر الحسن بن علي رضي الله عنهما بقوم من المساكين الذين يسألون الناس على الطريق وقد نشروا كسراً على الأرض في الرمل وهم يأكلون وهو على بغلته فسلم عليهم فقالوا له‏:‏ هلم إلى الغداء يا ابن بنت رسول الله عليه وسلم فقال‏:‏ نعم إن الله لا يحب المستكبرين فنزل وقعد معهم على الأرض وأكل ثم سلم عليهم وركب وقال‏:‏ قد أجبتكم فأجيبوني قالوا‏:‏ نعم فوعدهم وقتاً معلوماً فحضروا فقدم إليهم فاخر الطعام وجلس يأكل معهم‏.‏

وأما قول القائل إن من وضعت يدي في قصعته فقد ذلت له

رقبتي فقد قال بعضهم هذا خلاف السنة وليس كذلك فإنه ذل إذا كان الداعي لا يفرح بالإجابة ولا يتقلد منة وكان يرى ذلك يداً له على المدعو‏.‏

ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحضر لعلمه أن الداعي له يتقلد منة ويرى ذلك شرفاً وذخراً لنفسه في الدنيا والآخرة فهذا يختلف باختلاف الحال فمن ظن به أن يستثقل الإطعام وإنما يفعل ذلك مباهاةً أو تكلفاً فليس من السنة إجابته بل الأولى التعلل ولذلك قال بعض الصوفية‏.‏

لا تجب إلا دعوة من يرى أنك أكلت رزقك وأنه سلم إليك وديعة كانت لك عنده ويرى لك الفضل عليه في قبول تلك الوديعة منه‏.‏

وقال سري السقطي رحمه الله‏:‏ آه على لقمة ليس علي لله فيها تبعة ولا لمخلوق فيها منة‏.‏

فإذا علم المدعو أنه لا منة في ذلك فلا ينبغي أن يرد‏.‏

وقال أبو تراب النخشي رحمة الله عليه‏:‏ عرض علي طعام فامتنعت فابتليت بالجوع أربعة عشرة يوماً فعلمت أنه عقوبته‏.‏

وقيل لمعروف الكرخي رضي الله عنه كل من دعاك تمر إليه فقال أنا ضيف أنزل حيث أنزلوني‏.‏

الثاني‏:‏ أنه لا ينبغي أن يمتنع عن الإجابة لبعد المسافة كما لا يمتنع لفقر الداعي وعدم جاهه بل كل مسافة يمكن احتمالها في العادة لا ينبغي أن يمتنع لأجل ذلك‏.‏

يقال في التوراة أو بعض الكتب سر ميلاً عد مريضاً سر ميلين شيع جنازة سر ثلاثة أميال أجب دعوة سر أربعة أميال زر أخاً في الله‏.‏

وإنما قدم الدعوة والزيارة لأن فيه قضاء حق الحي فهو أولى من الميت وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لو دعيت إلى كراع بالغميم لأجبت ‏"‏ وهو موضع على أميال من المدينة أفطر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان لما بلغه وقصر عنده في سفره‏.‏

الثالث‏:‏ ألا يمتنع لكونه صائماً فليحضر فإن كان يسر أخاه إفطاره فليفطر وليحتسب في إفطاره بنية إدخال السرور على قلب أخيه ما يحتسب في الصوم وأفضل وذلك في صوم التطوع وإن لم يتحقق سرور قلبه فليصدقه بالظاهر وليفطر وإن تحقق أنه متكلف فليتعلل‏.‏

وقد قال صلى الله عليه وسلم لمن امتنع بعذر الصوم ‏"‏ تكلف لك أخوك وتقول إني صائم ‏"‏ وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ من أفضل الحسنات إكرام الجلساء بالإفطار فالإفطار عبادة بهذه النية وحسن خلق فثوابه فوق ثواب الصوم‏.‏

ومهما لم يفطر فضيافته الطيب والمجمرة والحديث الطيب‏.‏

وقد قيل الكحل والدهن أحد القرائين‏.‏

الرابع‏:‏ أن يمتنع من الإجابة إن كان الطعام طعام شبهة أو الموضع أو البساط المفروش من غير حلال أو كان يقام في الموضع منكر من فرش ديباج أو إناء فضة أو تصوير حيوان على سقف أو حائط أو سماع شيء من المزامير والملاهي أو التشاغل بنوع من اللهو والعزف والهزل واللعب واستماع الغيبة والنميمة والزور والبهتان والكذب وشبه ذلك مما يمنع الإجابة واستحبابها ويوجب تحريمها أو كراهيتها وكذلك إذا كان الداعي ظالماً أو مبتدعاً أو فاسقاً أو شريراً أو متكلفاً طلباً للمباهاة والفخر‏.‏

الخامس‏:‏ أن لا يقصد بالإجابة قضاء شهوة البطن فيكون عاملاً في أبواب الدنيا بل يحسن نيته ليصير بالإجابة عاملاً للآخرة وذلك بأن تكون نيته الاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ‏"‏ لو دعيت إلى كراع لأجبت ‏"‏ وينوي الحذر من معصية الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من لم يجب الداعي فقد عصى الله ورسوله ‏"‏ وينوي إكرام أخيه المؤمن اتباعاً لقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم الله ‏"‏ وينوي إدخال السرور على قلبه امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من سر مؤمناً فقد سر الله ‏"‏ وينوي مع ذلك زيارته ليكون من المتحابين في الله إذ شرط رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه التزاور والتباذل لله‏.‏

وقد حصل البذل من أحد الجانبين فتحصل الزيارة من جانبه أيضاً وينوي صيانة نفسه عن أن يساء به الظن في امتناعه ويطلق اللسان فيه بأن يحمل على تكبر أو سوء خلق أو استحقار أخ مسلم أو ما يجري مجراه‏.‏

فهذه ست نيات تلحق إجابته بالقربات آحادها فكيف مجموعها وكان بعض السلف يقول‏:‏ أنا أحب أن يكون لي في كل عمل نية حتى في الطعام والشراب وفي مثل هذا قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ‏"‏ والنية إنما تؤثر في المباحات والطاعات أما المنهيات فلا‏.‏

فإنه لو نوى أن يسر إخوانه بمساعدتهم على شرب الخمر أو حرام آخر لم تنفع النية ولم يجز أن يقال الأعمال بالنيات‏.‏

بل لو قصد بالغزو الذي هو طاعة المباهاة وطلب المال انصرف عن جهة الطاعة‏.‏

وكذلك المباح المردد بين وجوه الخيرات وغيرها يلتحق بوجوه الخيرات بالنية فتؤثر النية في هذين القسمين لا في القسم الثالث‏.‏

وأما الحضور‏:‏ فأدبه أن يدخل الدار ولا يتصدر فيأخذ أحسن الأماكن بل يتواضع ولا يطول الانتظار عليهم ولا يعجل بحيث يفاجئهم قبل تمام الاستعداد ولا يضيق المكان على الحاضرين بالزحمة بل إن أشار إليه صاحب المكان بموضع لا يخالفه البتة فإنه قد يكون رتب في نفسه موضع كل واحد فمخالفته تشوش عليه وإن أشار إليه بعض الضيفان بالارتفاع إكراماً فليتواضع قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إن من التواضع لله الرضى بالدون من المجلس ‏"‏ ولا ينبغي أن يجلس في مقابلة باب الحجرة التي للنساء وسترهم‏.‏

ولا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام فإنه دليل على الشره‏.‏

ويخص بالتحية والسؤال من يقرب منه إذا جلس‏.‏

وإذا دخل ضيف للمبيت فليعرفه صاحب المنزل عند الدخول القبلة وبيت الماء وموضع الوضوء كذلك فعل مالك بالشافعي رضي الله عنهما‏.‏

وغسل مالك يده قبل الطعام قبل القوم وقال‏:‏ الغسل قبل الطعام لرب البيت أولى‏:‏ لأنه يدعو الناس إلى كرمه فحكمه أن يتقدم بالغسل وفي آخر الطعام يتأخر بالغسل لينتظر أن يدخل من يأكل فيأكل معه‏.‏

وإذا دخل فرأى منكراً غيره إن قدر وإلا أنكر بلسانه وانصرف‏.‏

والمنكر فرش الديباج واستعمال أواني الفضة والذهب والتصوير على الحيطان وسماع الملاهي والمزامير وحضور النسوة المتكشفات الوجوه وغير ذلك من المحرمات حتى قال أحمد رحمه الله‏:‏ إذا رأى مكحلةً رأسها مفضض ينبغي أن يخرج ولم يأذن في الجلوس إلا في ضبة وقال‏:‏ إذا رأى كلةً فينبغي أن يخرج فإن ذلك تكلف لا فائدة فيه ولا تدفع حراً ولا برداً ولا تستر شيئاً وكذلك قال‏:‏ يخرج إذا رأى حيطان البيت مستورة بالديباج كما تستر الكعبة‏.‏

وقال‏:‏ إذا اكترى بيتاً فيه صورة أو دخل الحمام ورأى صورة فينبغي أن يحكها فإن لم يقدر خرج‏.‏

وكلما ذكره صحيح وإنما النظر في الكلة وتزيين الحيطان بالديباج فإن ذلك لا ينتهي إلى التحريم إذ الحرير يحرم على الرجال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها ‏"‏ وما على الحائط ليس منسوباً إلى الذكور ولو حرم هذا لحرم تزيين الكعبة بل الأولى إباحته بموجب قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ قل من حرم زينة الله ‏"‏ لا سيما في وقت الزينة إذا لم يتخذ عادة للتفاخر‏.‏

وإن تخيل أن الرجال ينتفعون بالنظر إليه ولا يحرم على الرجال الانتفاع بالنظر إلى الديباج مهما لبسه الجواري والنساء‏.‏

والحيطان في معنى النساء إذ لسن موصوفات بالذكورة‏.‏

وأما إحضار الطعام فله آداب خمسة‏:‏ الأول‏:‏ تعجيل الطعام فذلك من إكرام الضيف وقد قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ‏"‏ ومهما حضر الكثيرون وغاب واحد أو اثنان وتأخروا عن الوقت الموعود فحق الحاضر في التعجيل أولى من حق أولئك في التأخير إلا أن يكون المتأخر فقيراً أو ينكسر قلبه بذلك فلا بأس في التأخير وأحد المعنتين في قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ‏"‏ أنهم أكرموا بتعجيل الطعام إليهم دل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ‏"‏ وقوله ‏"‏ فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين ‏"‏ والروغان‏:‏ الذهاب بسرعة وقيل في خفية‏.‏

وقيل جاء بفخذ من لحم وإنما سمي عجلاً لأنه عجله ولم يلبث‏.‏

قال حاتم الأصم‏:‏ العجلة من الشيطان إلا في خمسة فإنها من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إطعام الضيف وتجهيز الميت وتزويج البكر وقضاء الدين والتوبة من الذنب ويستحب التعجيل في الوليمة‏.‏

قيل الوليمة الثاني‏:‏ ترتيب الأطعمة بتقديم الفاكهة أولاً إن كانت فذلك أوفق في الطب فإنها أسرع استحالةً فينبغي أن تقع في أسفل المعدة‏.‏

وفي القرآن تنبيه على تقديم الفاكهة في قوله تعالى ‏"‏ وفاكهة مما يتخيرون ‏"‏ ثم قال ‏"‏ ولحم طير مما يشتهون ‏"‏ ثم أفضل ما يقدم بعد الفاكهة اللحم والثريد فقد قال عليه السلام ‏"‏ فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ‏"‏ فإن جمع إليه حلاوة بعده فقد جمع الطيبات‏.‏

ودل على حصول الإكرام باللحم قوله تعالى في ضيف إبراهيم إذ أحضر العجل الحنيذ‏.‏

أي المحنوذ وهو الذي أجيد نضجه‏.‏

وهو أحد معنى الإكرام أعني تقديم اللحم‏.‏

وقال تعالى في وصف الطيبات ‏"‏ وأنزلنا عليكم المن والسلوى ‏"‏ المن‏:‏ العسل والسلوى‏:‏ اللحم سمي سلوى لأنه يتسلى به عن جميع الإدام ولا يقوم غيره مقامه ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ كلوا من طيبات ما رزقناكم ‏"‏ فاللحم والحلاوة من الطيبات‏.‏

قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه أكل الطيبات يورث الرضا عن الله‏.‏

وتتم هذه الطيبات بشرب الماء البارد وصب الماء الفاتر على اليد عند الغسل‏.‏

قال المأمون‏:‏ شرب الماء بثلج يخلص الشكر وقال بعض الأدباء‏:‏ إذا دعوت إخوانك فأطعمتهم حصرمية وبورانية وسقيتهم ماءً بارداً فقد أكملت الضيافة‏.‏

وأنفق بعضهم دراهم في ضيافة فقال بعض الحكماء‏:‏ لم نكن نحتاج إلى هذا إذا كان خبزك جيداً وماؤك بارداً وخلك حامضاً فهو كفاية‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ الحلاوة بعد الطعام خير من كثرة الألوان والتمكن على المائدة خير من زيادة لونين‏.‏

ويقال أن الملائكة تحضر المائدة إذا كان عليها بقل فذلك أيضاً مستحب ولما فيه من التزين بالخضرة‏.‏

وفي الخبر‏:‏ إن المائدة التي أنزلت على بني إسرائيل كان عليها من البقول إلا الكرات وكان عليها سمكة عند رأسها خل وعند ذنبها ملح وسبعة أرغفة على كل رغيف زيتون وحب رمان فهذا إذا اجتمع حسن للموافقة‏.‏

الثالث‏:‏ أن يقدم من الألوان ألطفها حتى يستوفي منها من يريد ولا يكثر الأكل بعده وعادة المترفين تقديم الغليظ ليستأنف حركة الشهوة بمصادفة اللطيف بعده وهو خلاف السنة فإنه حيلة في استكثار الأكل‏.‏

وكان من سنة المتقدمين أن يقوموا جملة الألوان دفعة واحدة ويصففون القصاع من الطعام على المائدة ليأكل كل واحد مما يشتهي‏.‏

وإن لم يكن عنده إلا لون واحد ذكره

ليستوفوا منه ولا ينتظروا أطيب منه‏.‏

ويحكى عن بعض أصحاب المروءات أنه كان يكتب نسخة بما يستحضر من الألوان ويعرض على الضيفان‏.‏

وقال بعض الشيوخ‏:‏ قدم إلى بعض المشايخ لوناً بالشام فقلت عندنا بالعراق إنما يقدم هذا آخراً فقال‏:‏ وكذا عندنا بالشام ولم يكن له لون غيره فخجلت منه‏.‏

وقال آخر‏:‏ كنا جماعة في ضيافة فقدم إلينا ألوان من الرؤوس المشوية طبيخاً وقديداً فكنا لا نأكل ننتظر بعدها لوناً أو حملاً بالطست ولم يقدم غيرها فنظر بعضنا إلى بعض فقال بعض الشيوخ وكان مزاحاً‏:‏ إن الله تعالى يقدر أن يخلق رؤوسا بلا أبدان قال‏:‏ وبتنا تلك الليلة جياعاً نطلب فتيتاً إلى السحور‏.‏

فلهذا يستحب أن يقدم الجميع أو يخبره بما عنده‏.‏

الرابع‏:‏ أن لا يبادر إلى رفع الألوان قبل تمكنهم من الاستيفاء حتى يرفعوا الأيدي عنها فلعل منهم من يكون بقية ذلك اللون أشهى عنده مما استحضروه أو بقيت فيه حاجة إلى الأكل فيتنغص عليه بالمبادرة وهي من التمكن على المائدة التي يقال إنها خير من لونين فيحتمل أن يكون المراد به قطع الاستعجال ويحتمل أن يكون أراد به سعة المكان‏.‏

حكى عن الستوري وكان صوفياً مزاحاً فحضر عند واحد من أبناء الدنيا على مائدة فقدم إليهم حمل وكان صاحب المائدة بخل فلما رأى القوم مزقوا الحمل كل ممزق ضاق صدره وقال‏:‏ يا غلام ارفع إلى الصبيان فرفع الحمل إلى داخل الدار فقام الستوري يعدو خلف الحمل فقيل له‏:‏ إلى أين فقال‏:‏ آكل مع الصبيان فاستحيا الرجل وأمر برد الحمل‏.‏

ومن هذا الفن أن لا يرفع صاحب المائدة يده قبل القوم فإنهم يستحيون بل ينبغي أن يكون آخرهم أكلاً‏.‏

كان بعض الكرام يخبر القوم بجميع الألوان ويتركهم يستوفون فإذا قاربوا الفراغ جثا على ركبتيه ومد يده إلى الطعام وأكل وقال‏.‏

بسم الله ساعدوني بارك الله فيكم وعليكم وكان السلف يستحسنون ذلك منه‏.‏

الخامس‏:‏ أن يقدم من الطعام قدر الكفاية فإن التقليل عن الكفاية نقص في المروءة والزيادة عليه تصنع ومراءاة لاسيما إذا كانت نفسه لا تسمح بأن يأكلوا الكل إلا أن يقدم الكثير وهو طيب النفس لو أخذوا الجميع ونوى أن يتبرك بفضلة طعامهم إذ في الحديث لا يحاسب عليه‏.‏

أحضر إبراهيم بن أدهم رحمه الله طعاماً كثيراً على مائدته فقال له سفيان‏:‏ يا أبا إسحق أما تخاف أن يكون هذا سرفاً فقال إبراهيم‏:‏ ليس في الطعام سرف‏.‏

فإن لم تكن هذه النية فالتكثير تكلف‏.‏

قال ان مسعود رضي اله عنه‏:‏ نهينا أن نجيب دعوة من يباهي بطعامه وكره جماعة من الصحابة أكل طعام المباهاة‏.‏

ومن ذلك كان لا يرفع من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلة طعام قط لأنهم كانوا لا يقدمون إلا قدر الحاجة ولا يأكلون تمام الشبع‏.‏

وينبغي أن يعزل أولاً نصيب أهل البيت حتى لا تكون أعينهم طامحة إلى رجوع شيء منه فلعله لا يرجع فتضيق صدورهم وتنطلق في الضيفان ألسنتهم ويكون قد أطعم الضيفان ما يتبعه كراهية قوم وذلك خيانة في حقهم‏.‏

وما بقي من الأطعمة فليس للضيفان أخذه وهو الذي تسميه الصوفية الزلة إلا إذا صرح صاحب الطعام بالإذن فيه عن قلب راض أو علم ذلك بقرينة حاله وأنه يفرح به فإن كان يظن كراهية فلا ينبغي أن يؤخذ وإذا علم رضاه فينبغي مراعاة العدل والنصفة مع الرفقاء فلا ينبغي أن يأخذ الواحد إلا ما يخصه أو ما يرضى به رفيقه عن طوع لا عن حياء‏.‏

فأما الانصراف‏:‏ فله ثلاثة آداب‏:‏ الأول‏:‏ أن يخرج مع الضيف إلى باب الدار وهو سنة وذلك من إكرام الضيف وقد أمر بإكرامه قال عليه الصلاة والسلام ‏"‏ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ‏"‏ وقال عليه السلام ‏"‏ إن من سنة الضيف أن يشيع إلى باب الدار ‏"‏ قال أبو قتادة‏:‏ قدم وفد النجاشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام يخدمهم بنفسه فقال له أصحابه‏:‏ نحن نكفيك يا رسول الله فقال‏:‏ ‏"‏ كلا إنهم كانوا لأصحابي مكرمين وأنا أحب أن أكافئهم ‏"‏ وتمام الإكرام طلاقة الوجه وطيب الحديث عند الدخول والخروج على المائدة‏.‏

قيل للأوزاعي رضي الله عنه ما كرامة الضيف قال طلاقة الوجه وطيب الحديث‏.‏

وقال يزيد بن أبي زياد ما دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى إلا حدثنا حسناً وأطعمنا حسناً الثاني أن ينصرف الضيف طيب النفس وإن جرى في حقه تقصير فذلك من حسن الخلق والتواضع قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ‏"‏ ودعي بعض السلف برسول فلم يصادفه الرسول فلما سمع حضر وكانوا قد تفرقوا وفرغوا وخرجوا فخرج إليه صاحب المنزل وقال‏:‏ قد غسلتها فانصرف يحمد الله تعالى

فقيل له في ذلك فقال‏:‏ قد أحسن الرجل دعانا بنية وردنا بنية فهذا هو معنى التواضع وحسن الخلق‏.‏

وحكى أن أستاذ أبى القاسم الجنيد دعاه صبي إلى دعوة أبيه أربع مرات فرده الأب في المرات الأربع وهو يرجع في كل مرة تطيباً لقلب الصبي بالحضور ولقلب الأب بالانصراف فهذه نفوس قد ذللت بالتواضع لله تعالى واطمأنت بالتوحيد وصارت تشاهد في كل رد وقبول عبرة فيما بينها وبين ربها فلا تنكسر بما يجري من العباد من الإذلال كما لا تستبشر بما يجري من العباد من الإذلال كما لا تستبشر بما يجري منهم من الإكرام بل يرون الكل من الواحد القهار‏.‏

ولذلك

قال بعضهم‏:‏ أنا لا أجيب الدعوة إلا لأني أتذكر بها طعام الجنة أي هو طعام طيب يحمل عنا كده ومؤنته وحسابه‏.‏

الثالث‏:‏ أن لا يخرج إلا برضا صاحب المنزل وإذنه ويراعى قلبه في قدر الإقامة وإذا نزل ضيفاً فلا يزيد على ثلاثة أيام فربما يتبرم به ويحتاج إلى إخراجه قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فصدقة ‏"‏ نعم لو ألح رب البيت عليه عن خلوص قلب فله المقام إذ ذاك ويستحب أن يكون عنده فراش للضيف النازل‏.‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ فراش للرجل وفراش للمرأة وفراش للضيف والرابع للشيطان ‏"‏

فصل يجمع آداباً ومناهي طبية وشرعية متفرقة

الأول‏:‏ حكي عن إبراهيم النخعي أنه قال‏:‏ الأكل في السوق دناءة وأسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسناده قريب‏.‏

وقد نقل ضده عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال‏:‏ كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام‏.‏

ورئي بعض المشايخ من المتصوفة يأكل في السوق فقيل له في ذلك فقال‏:‏ ويحك أجوع في السوق وآكل في البيت فقيل تدخل المسجد قال أستحي أن أدخل بيته للأكل فيه‏.‏

ووجه الجمع أن الأكل في السوق تواضع وترك تكلف من بعض الناس فهو حسن وخرق مروءة من بعضهم فهو مكروه وهو مختلف بعادات البلاد وأحوال الأشخاص فمن لا يليق ذلك بسائر أعماله حمل ذلك على قلة المروءة وفرط الشره ويقدح ذلك في الشهادة ومن يليق ذلك بجميع أحواله وأعماله في ترك التكلف كان ذلك منه تواضعاً‏.‏

الثاني‏:‏ قال علي رضي الله عنه‏:‏ من ابتدأ غذاءه بالملح أذهب الله عنه سبعين نوعاً من البلاء ومن أكل في يوم سبع تمرات عجوة قتلت كل دابة في بطنه ومن أكل كل يوم إحدى وعشرين زبيبةً حمراء لم ير في جسده شيئاً يكرهه واللحم ينبت اللحم والثريد طعام العرب والبسقارجات تعظم البطن وترخي الأليتين ولحم البقر داء ولبنها شفاء وسمنها دواء والشحم يخرج مثله من الداء ولن تستشفي النفساء بشيء أفضل من الرطب والسمك يذيب الجسد وقراءة القرآن والسواك يذهبان البلغم ومن أراد البقاء ولا بقاء فليباكر بالغداء وليكرر العشاء وليلبس الثالث‏:‏ قال الحجاج لبعض الأطباء‏:‏ صف لي صفةً آخذ بها ولا أعدوها قال‏:‏ لا تنكح من النساء إلا فتاة ولا تأكل من اللحم إلا فتياً ولا تأكل المطبوخ حتى يتم نضجه ولا تشربن دواءً إلا من علة ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها ولا تأكلن طعاماً إلا أجدت مضغه وكل ما أحببت من الطعام ولا تشربن عليه فإذا شربت فلا تأكلن عليه شيئاً ولا تحبس الغائط والبول وإذا أكلت بالنهار فنم وإذا أكلت بالليل فامش قبل أن تنام ولو مائة خطوة‏.‏

وفي معناه قول العرب‏:‏ تغد تمد تعش تمش يعني تمدد كما قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ ثم ذهب إلى أهله يتمطى ‏"‏ أي يتمطط‏.‏

ويقال إن حبس البول يفسد الجسد كما يفسد النهر ما حوله إذا سد مجراه‏.‏

الرابع‏:‏ في الخبر‏:‏ ‏"‏ قطع العروق مسقمة وترك العشاء مهرمة ‏"‏ والعرب تقول ترك الغداء يذهب بشحم الكاذة - يعني الآلية - وقال بعض الحكماء لابنه‏:‏ يا بني لا تخرج من منزلك حتى تأخذ حلمك أي تتغذى إذ به يبقى الحلم ويزول الطيش وهو أيضاً أقل لشهوته لما يرى في السوق‏.‏

وقال حكيم لسمين‏:‏ أرى عليك قطيفةً من نسج أضراسك فمم هي قال من أكل لباب البر وصغار المعز وأدهن بجام بنفسج وألبس الكتان‏.‏

الخامس‏:‏ الحمية تضر بالصحيح كما يضر تركها بالمريض هكذا قيل‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ من احتمى فهو على يقين من المكروه وعلى شك من العوافي وهذا حسن في حال الصحة ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صهيباً يأكل تمراً وإحدى عينيه رمداء فقال‏:‏ أتأكل التمر وأنت رمد فقال‏:‏ يا رسول الله إنما آكل بالشق الآخر يعني جانب السليمة فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

السادس‏:‏ أنه يستحب أن يحمل طعام إلى أهل الميت ولما جاء نعي جعفر بن أبي طالب قال عليه السلام‏:‏ ‏"‏ إن آل جعفر شغلوا بميتهم عن صنع طعامهم فاحملوا إليهم ما يأكلون ‏"‏ فذلك سنة‏.‏

وإذا قدم ذلك إلى الجمع حل الأكل منه ما يهيأ للنوائح والمعينات بالبكاء والجزع فلا ينبغي أن يؤكل معهم‏.‏

السابع‏:‏ لا ينبغي أن يحضر طعام ظالم فإن أكره فليقلل الأكل ولا يقصد الطعام الأطيب رد بعض المزكين شهادة من حضر طعام سلطان فقال‏:‏ كنت مكرهاً فقال‏:‏ رأيتك تقصد الأطيب وتكبر اللقمة وما كنت مكرهاً عليه وأجبر السلطان هذا المزكي على الأكل فقال‏:‏ إما أن آكل وأخلي التزكية أو أزكي ولا آكل فلم يجدوا بداً من تزكيته فتركوه‏.‏

وحكي أن ذا النون المصري حبس ولم يأكل أياماً في السجن فكانت له أخت في الله فبعثت إليه طعاماً من مغزلها على يد السجان فامتنع فلم يأكل فعاتبته المرأة بعد ذلك فقال‏:‏ كان حلال ولكن جاءني على طبق ظالم وأشار به إلى يد السجان وهذا غاية الورع‏.‏

الثامن‏:‏ حكي عن فتح الموصلي رحمه الله أنه دخل على بشر الحافي زائراً فأخرج بشر درهماً فدفعه لأحمد الجلاء خادمه وقال‏:‏ اشتر به طعاماً جيداً وأدماً طيباً قال‏:‏ فاشتريت خبزاً نظيفاً وقلت‏:‏ لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لشيء اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه سوى اللبن فاشتريت اللبن واشتريت تمراً جيداً فقدمت إليه فأكل وأخذ الباقي‏.‏

فقال بشر‏:‏ أتدرون لم قلت اشتر طعاماً لأن الطعام الطيب يستخرج خالص الشكر أتدرون لم لم يقل لي كل لأنه ليس للضيف أن يقول لصاحب الدار كل أتدرون لم حمل ما بقي لأنه إذا صح التوكل لم يضر الحمل‏.‏

وحكى أبو علي الروذباري رحمه الله تعالى أنه اتخذ ضيافة فأوقد فيها ألف سراج فقال له رجل‏:‏ قد أسرفت فقال له‏:‏ ادخل فكل ما أوقدته لغير الله فأطفئه فدخل الرجل فلم يقدر على إطفاء واحد منها فانقطع‏.‏

واشترى أبو علي الروذباري أحمالاً من السكر وأمر الحلاويين حتى بنوا جداراً من السكر عليه شرف وَمحاريب على أعمدة منقوشة كلها من سكر ثم دعا الصوفية حتى هدموها وانتهبوها‏.‏

التاسع‏:‏ قال الشافعي رضي الله عنه الأكل على أربعة أنحاء‏:‏ الأكل بإصبع من المقت وبإصبعين من الكبر وبثلاث أصابع من السنة وبأربع وخمس من الشره‏.‏

وأربعة أشياء تقوي البدن‏:‏ أكل اللحم وشم الطيب وكثرة الغسل من غير جماع ولبس الكتان‏.‏

وأربعة توهن البدن‏:‏ كثرة الجماع وكثرة الهم وكثرة شرب الماء على الريق وكثرة أكل الحموضة‏.‏

وأربعة تقوي البصر‏:‏ الجلوس تجاه القبلة والكحل عند النوم والنظر إلى الخضرة وتنظيف الملبس‏.‏

وأربعة توهن البصر‏:‏ النظر إلى القذر والنظر إلى المصلوب والنظر إلى فرج المرأة والقعود في استدبار القبلة‏.‏

وأربعة تزيد في الجماع‏:‏ أكل العصافير وأكل الإطريفل الأكبر وأكل الفستق وأكل الجرجير‏.‏

والنوم على أربعة أنحاء‏:‏ فنوم على القفا وهو نوم الأنبياء عليهم السلام يتفكرون في خلق السموات والأرض ونوم على اليمين وهو نوم العلماء والعباد ونوم على الشمال وهو نوم الملوك لهضمهم طعامهم ونوم على الوجه وهو نوم الشياطين‏.‏

وأربعة تزيد في العقل‏:‏ ترك الفضول من الكلام والسواك ومجالسة الصالحين والعلماء‏.‏

وأربعة هن من العبادة‏:‏ لا يخطو خطوةً إلا على وضوء وكثرة السجود ولزوم المساجد وكثرة قراءة القرآن‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ عجبت لمن يدخل الحمام على الريق ثم يؤخر الأكل بعد أن يخرج كيف لا يموت وعجبت لمن احتجم ثم يبادر الأكل كيف لا يموت وقال‏:‏ لم أر شيئاً أنفع في الوباء من البنفسج يدهن به ويشرب‏.‏

والله أعلم بالصواب‏.‏